02 أبريل, 2011

إلى الجنة ..



"اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك"

هكذا دعا الامام في دعاء القنوت في ذلك اليوم ..

كثيرون قالوا آمين .. ولكن حين قالتها هي، كانت تختلف .. كانت تخرج من قلبها مباشرة..

لم يشبها تعلق بالدنيا، أو قلق على أمها العجوز التي ليس لها غيرها في هذه الدنيا .. فهي تعلم أن ربها أرحم بأمها منها .. وأنه حين يرزقها الشهادة .. سيدبر أمر أمها ويرزقها من حيث لا تحتسب ..

وهي تعلم أن هذه الدنيا قصيرة .. وأنها إذا استشهدت، برغم أن أمها ستحزن عليها حزنا شديدا .. ولكن يوم اللقاء قريب .. وستفرح بها أمها كثيرا حين تراها في مقام الصديقين والشهداء والصالحين، وحين تشفع فيها ابنتها وتأخذ بيدها إلى جنة الخلد .. حيث لا تعب ولا ظلم ولا فراق ..

لم تكن تتخيل كيف لفتاة عادية مثلها أن ترزق الشهادة .. فهي ليست مقاومة أو مجاهدة .. حياتها عادية جدا .. تذهب صباحا إلى عملها البسيط لتدبر قوتها هي وأمها ثم تعود لتساعد أمها في المنزل إلى أن تنام من الإرهاق ..

******

وحين قال هو "آمين" أيضا كانت تختلف .. كانت صادقة جدا .. وتحمل كل ما بداخله من شوق ..

لم يكن يتخيل أيضا كيف سينالها .. فهو ليس مجاهدا ولم يستعمل في حياته سلاحا .. كل ما يملكه هو الكاميرا الخاصة به التي يلتقط بها صورا متميزة .. وفنه الذي يعلمه لتلاميذه في الجامعة ..

لا يدري كيف لفنان مسالم مثله أن يكون شهيدا .. ولكنه يثق كل الثقة في وعد الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يطلب الشهادة بصدق أن ينالها .. وهو يحس بأن قلبه صادق في طلبها ..

لربما من له مثله زوجة وطفلين صغيرين، يخاف على نفسه من أي ضرر ليرعاهم .. أما هو، فعنده يقين حقيقي أنه حين ينال الشهادة لن يضيع الله أحبته .. وسيخلفه في بيته .. وسيربي له أبناءه أفضل بمرات مما كان سيفعل هو ..

أما يوم اللقاء .. فسيلقى من تركهما طفلين صغيرين لا يعيان شيئا .. شاب وشابة ناضجين ومعهما أمهما فخورة بهما .. وسيأخذ بيدهم إللى جنة الخلد حيث لا تعب ولا ظلم ولا فراق ..

هو فقط لا يريد لهم أن يحزنوا على فراقه .. ولكنه يعلم أنه سيلقاهما سريعا ..

*******

ككثيرين، لم يكونا راضيين عن حال وطنهما .. وهذا ما دفعهما للنزول في جمعة الغضب ..

كانت تصرخ من كل قلبها ضد النظام وهي تذكر أمها المريضة التي لا تملك أن تعالجها .. والغرفة الضيقة التي تعيشان فيها .. والمال القليل الذي تقبضه في آخر الشهر والذي بالكاد يكفي لإطعامهما .. وأحلامها التي وإدت قبل حتى أن تولد ..

وكان يصرخ من كل قلبه مع المتظاهرين .. ويلتقط صورا لهم .. وهو يذكر طفليه اللذان يود لو يعطيهما الدنيا كلها .. ويعلمهما في أحسن المدارس .. ثم يتذكر حياته المتواضعة "المستورة"، ومرتبه المتواضع من الجامعة الذي بالكاد يكفيه هو وأسرته .. ثم يتذكر طلبته في الجامعة وحماسهم المتقد، ورغبتهم في العمل والتغيير .. والعقبات الكثيرة التي توضع في طريقهم ليستمروا في السير "جنب الحيط" .. والظلم الذي يقع على من يحاول تجاوز تلك العقبات ..

هي كانت خائفة من زيهم الأسود المقبض .. ورصاصهم المطاطي .. وقنابلهم المسيلة للدموع .. نعم كانت خائفة ولكنها ليست جبانة، لأن خوفها لا يجعلها تتراجع، بل هي ماضية بقوة مع الجموع ..

تنظر في العيون المليئة بالعزيمة من حولها لتستمد منهم الشجاعة والقوة .. فيعلوا صوتها شيئا فشيئا .. تحس بقرب النصر .. وتتمنى لو تعود سريعا لتحكي لأمها عن ما شاهدته ..

وهو كان يحمل كاميرته ويصور هنا وهناك .. ليسجل كل ما يحدث .. كان يؤلمه أن يرى القبح والظلم متجسدان في مواجهتهم .. ولكنه أراد أن يوثق كل شيء للتاريخ ..

وبواسطة عدسة كاميرته المتطورة .. كان يستطيع أن يرى القناصة، فكان يحذر من حوله منهم .. كان يتمنى أن يعود سريعا لينشر ما رأى ويثبت للتاريخ من هو المخرب الظالم .. ومن يناضل لينقذ الوطن ..

ولكنهما لم يكونا يعلمان أنهما لن يكتب لهما أن يعودا ..

*******

هو .. كان متمركزا في موقعه المتميز .. هناك، فوق سطح أحد المباني التي تطل على الميدان .. يستطيع أن يرى كل شيء يحدث بوضوح ..

يمسك ببندقيته .. في وضع الاستعداد كما جاءته الأوامر .. اليوم أخيرا سيستبدل الدمى الحشبية التي اعتاد أن يصوب عليها نيران بندقيته بأشخاص حقيقيين ..

يحس برهبة الموقف .. فأمامه جموع حاشدة .. لكل فرد منهم حكاية وأهل وأحبة .. معظمهم شباب .. بالتأكيد لهم خطط وآمال للمستقبل .. وبضغطة زناد منه تنتهي قصة وتبدأ أخرى ..

اختيار صعب .. يصوب بندقيته .. يفتح عينا ويغلق أخرى وينظر من خلال عدسة البندقية ..

إمم .. هذا الشاب ذو القميص الأبيض يبدو هدفا جيدا .. يضغط الزناد .. وهذا ذو البنطال الأزرق .. فيضغط .. وتلك الفتاة .. يبدو عليها الحماس وكأنها لا تخشى شيئا .. فيضغط .. هكذا بضغطة واحدة .. تنتهي قصة بأكملها .. التفاصيل والحياة والمشاوير والأحلام والأصدقاء .. تنتهي كلها في لحظة

يتساقطون أمامه واحدا تلو الآخر .. إلى أن يرآه ..

رآه يحمل كاميرته ويصوبها نحوه في شجاعة .. تلتقي الأعين للحظة .. كاميرا في مواجهة بندقية .. وحين ضغط الشاب الزر والتقط الصورة .. قرر أنه سيكون ضحيته التالية .. لم يتردد .. وضغط الزناد .. وظن أنه انتصر

********

"اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك"

هكذا دعا الامام في دعاء القنوت في ذلك اليوم ..

كثيرون قالوا آمين .. ولكن حين قالها هؤلاء كانت تختلف .. كانت تخرج مباشرة من قلوب صادقة .. تتمنى لقاء ربها ..

قالوها بحرقة .. "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"

  • متستوحاه من قصص حقيقية للشهداء.


22 مارس, 2011

الفستان الأبيض



طفلة صغيرة كنت .. حينما أعطوني شمعة طويلة - في مثل طولي تقريبا – لونها أبيض ومزينة بالورود واللآلئ الصغيرة .. وأوقفوني في صف أنا وأختي وإبنة خالي لكي نسير بجانب العروس وعريسها في الزفة ..

كنت وكأنني أعيش حلما .. لم أكن أصدق أنني أحمل الشمعة وأسير بجانب عروس حقيقية ترتدي فستانا أبيضا منفوشا .. وأوصلها إلى باب القاعة .. كنت أحس أنن أؤدي عملا عظيما ..

كنت –وكأي طفلة – أنظر للعروس في زفافها وكأنها كائن أسطوري، وليست إنسانة طبيعية مثلنا .. لربما تكون قريبة لي أو أعرفها وأتعامل معها في الحياة الطبيعية، ولكن في ذلك اليوم هي كائن آخر .. كائن ساحر .. لربما كان هذا الفستان الذي ترتديه من صنع تلك الساحرة الطيبة التي صنعت لسندريللا فستانها .. ولربما ستتحول تلك الدبابيس اللامعة في شعرها إلى عصافير ملونة بعد منتصف الليل .. أما حذاءها فهو بالتأكيد الوسيلة التي سيتمكن بها عريسها أن يصل إليها إذا حدث وهربت لأي سبب ..

أما اليوم .. أجلس أنا أمام المرآة في غرفتي في ذلك الفندق بعد أن ارتديت فستاني الأبيض .. وأسلم رأسي للكوافيرة وهي تنسق لي حجابي وطرحة زفافي .. أنظر إلى المرآة .. وأنا أذكر تلك الطفلة التي كنتها .. والتي بعد لم تصدق أنها اليوم ستكون هي ذلك الكائن الأسطوري ..

أتأمل فستاني الأبيض المطرز بالزهور واللآلئ .. وحجابي الذي فضلت أن يكون طرحة كبيرة كما أرتدي عادة .. وتاج الورود البيضاء الملائكي الذي اخترت أن أرتديه اليوم .. ووجهي الخالي من الأصباغ .. فأراني ذات الطفلة التي كانت تحلم أن تتزوج .. لا لشيء إلا لكي ترتدي كما ترتدي العرائس.

وفي هذا اليوم تحقق الحلم .. ارتديت الفستان الأبيض وحملت الورود وسرت أنا وأنت في الزفة وذراعي في ذراعك .. ورأيت الفرحة في عيون أمي وأبي وأخوتي وأحبتي .. وجلسنا جنبا إلى جنب في الكوشة .. كان يوما ساحرا .. حقق الله لي فيه دعوات كثيرة دعوت بها قبلا .. وأنعم علي نعما لا تحصى ..

إلا أن الهدية الكبيرة التي منحها الله لي في ذلك اليوم .. والتي لازلت أحمده عليها كل يوم .. ليست الفستان الأبيض ولا الورود ولا الزفة ولا الكوشة ولا غيرهم .. وإنما تلك الهدية هي .. أنت

17 مارس, 2011

لماذا سأقول نعم؟


1- لأن نعم ستؤدي إلى تسيلم السلطة إلى المدنيين بأسرع ما يمكن .. ليعود الجيش إلى ثكناته.

2- لأن الدستور ستضعه لجنة يشكلها مجلس الشعب الذي جاء من خلال صندق الاقتراع، في حين أنه في حالة "لا" سيختار لنا المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللجنة التي تقوم بوضع الدستور. مع العلم أن الرئيس والمجالس النيابية المنتخبة سوف تظل موجودة حتى انتهاء مدتها بما أنهم جاءوا بصورة قانونية، حتى بعد تعديل الدستور ولن نضطر إلى اعادة الانتخابات كما يقول البعض.

3- في حالة قول لا سيظل العسكر في الحكم .. وبالتالي لن يقدم أي مستثمر على استثمار أمواله في مصر لأنها ستكون بالنسبة له في مرحلة انتقالية قد تطول، وغير مستقرة ولا يدري ما هو شكل النظام القادم .. أما بعد انتخاب رئيس ومجالس نيابية، ستكون بالنسبة للمستثمرين دولة مستقرة تحت حكم مدني .. وفي هذه الحالة نكون قد أنعشنا الاقتصاد في نفس الوقت الذي سنضع فيه الدستور "على رواقة"

4- أظن أننا لو انتظرنا يمكن أن نعطي الفرصة بشكل أكبر لفلول الوطني وأمن الدولة لينظموا أنفسهم وربما يتفقوا مع بلطجية أو ما شابه .. أنا أظن أن التعجيل في صالحنا وليس في صالحهم

5- يقول البعض أن الوطني جاهز لخوض انتخابات، فلو افترضنا أنه جاهز فعلا "وهذا مستحيل في نظري" فإذا أعطيناه الوقت سيستعد أكثر ..

أنا أرى أنه غير جاهز أصلا، بل إنه يحتضر .. تخيل أن تشكيل عصابي حزبي مثل الوطني، فجأة سحبت من تحت أقدامه السجادة .. وسقط أعتى وأكبر قادته ووضعت أموال أكبر مموليه من رجال السلطة والأعمال تحت الحراسة .. إلى جانب أن معظم أعضاءه منهكين ماديا تماما بعد ما صرفوه من أموال في انتخابات مجلس الشعب الماضي وخائفين من الملاحقة القضائية .. هل يمكن لهذا التشكيل أن يعمل من جديد .. أن لا أظن ذلك .. بالتأكيد سيحاول البعض ولكن محاولات محدودة لن تصنع الفارق الذي تتخيله.

بجانب أنه من خلال تعديلات الدستور لم يصبح المجلس سيد قراره كما كان قبلا .. فإذا اتضح أن أحد الأعضاء له سلوك مشبوه يمكن اللجوء للمحكمة للتعامل معه

6- يقولون أن الاخوان هم الذين سيسيطرون على الحياة إذا قلنا نعم، أولا هم قالوا لن نشارك بأكثر من الثلث، ولو انتخبهم الشعب فمن حقهم على الجميع القبول بهم واحترامهم .. أما الباقين ففي رأيي ما يجب أن يحدث أن نتخلى مبدئيا عن الصورة المدنية الحديثة المترفة التي تقتضي وجود أحزاب وتيارات سياسية مختلفة يختار منها الشعب و نقبل بفكرة مجلس الشعب في صورته البدائية "إن جاز التعبير" .. وهي أنه عبارة عن عدد من الأشخاص غير المسيسين الذين يمثلون دوائرهم .. ولنراهن على فطرة الناس السوية التي ستجعلهم ينتخبون من يعرفون عنه نزاهته ورجاحة عقله .. فسيكون المجلس خليطا من الاخوان والاحزاب المختلفة والمستقلين بنسبة أكبر. أما أن ننتظر لكي يلملم هذا وذاك أنفسهم ليستطيعوا ممارسة الحياة السياسية فما أريد أن أقول أننا الآن لسنا في مرحلة اصلاح الحياة السياسية في مصر .. لأن هذا لن يحدث في يوم وليلة، ولا حتى في ستة أشهر .. ليحدث هذا يجب أن تكون هناك حياة ومناخ مستقر في ظل حكم مدني لتنشأ الأحزاب وتدعو إلى أفكارها وتخلق قواعد شعبية، ويفاضل الناس بين هذا وذاك .. ولكن الآن لا يصح أن نعطل حال البلد لنعطي الفرصة للبعض لكي ينظموا أنفسهم .. ليس عدلا بالمرة، ومن يطلب ذلك منهم يكون بصراحة هو من يلهث وراء مصالحه الشخصية .. وكأنه يقول "معلش خلو البلد كلها تستنى لحد ما أنظم نفسي"

وفي الدورات القادمة بإذن الله تظهر الأحزاب والجماعات المختلفة .. فمالم يتم عمله في الستين عاما الماضية لا يمكن اختصاره في بضعة أشهر ..

7- الدستور الأمريكي أخذ سنتين تقريبا للموافقه عليه من سنة 1977 إلى 1979 . والدستور الهندي إستغرق سنتين و 11 شهر و 8 أيام حتى تم إقراره و العمل به. القضية ليست صياغة دستور جديد وفقط، فهذا ممكن أن يحدث في شهور قليلة و لكن الذي يستغرق وقت هو الأخذ والرد والاختلاف بين الناس والحوارات .. ونحن نريد أن نشارك بآراءنا في وضع الدستور بأي آلية تضمن لنا ذلك .. وهذا بالطبع لا يمكن أن يحدث في وقت قصير .. بل يتطلب وقتا ومجهودا وفكرا لا أرى أنهم متوفرين الآن.

8- بالنسبة للنقطة الخاصة بصلاحيات الرئيس القادم، فما قاله اللواء ممدوح شاهين بالأمس هو " سيظل الدستور معطلا حتي بعد موافقة الناس علي التعديلات لان التعديلات تعتبر وثيقه دستوريه جديده مؤقته للعمل بها لحين انتخاب رئيس الجمهوريه ومجلس للشعب"

وأخيرا أريد أن أوضح أني مقتنعة تماما أن كلا الاختيارين يحمل قدرا من الصواب وقدرا من الخطأ .. لا يمكن أن نقول أن اختيارا منهم صحيح مائة بالمائة .. كلاهما يحمل نسبة من المخاطرة .. ولكن أنا أراهن علينا .. نحن الشعب الذي عرف أخيرا أنه مصدر السلطات .. وأنه حين يريد فبتوفيق الله وعونه تتحقق ارادته .. فلندعو أن يوفقنا الله إلى ما يحمل لمصرنا الخير .. ولنتقبل آراء بعضنا البعض بصدور رحبة لنكون جديرين فعلا بما أنعم الله به علينا من الحرية ..

12 فبراير, 2011

سحر الثورة*

مشاعر كثيرة أحس بها هذه الأيام .. سعادة، وقلق، ورهبة، وأمل كبير يطغى على كل تلك المشاعر .. سحر فعلا لثورة فاجأتنا كلنا لتخرج كل ما بداخلنا من حب لبلادنا ورغبة في تغييرها للأفضل ..

سحر أن تسير في وسط الشارع الذي اعتاد الكثيرون أن يسيروا فيه "جنب الحيط" قبلا، فتهتف بملأ كيانك "لا" لا للظلم، لا للفساد، لا للنهب وللاستعباد ... لا للنظام .. بجميع رموزه .. فيتراجع خوفك ورجفتك الذين كانا يلازمانك قبلا لتحل محلهما شجاعة وجرأة كبيرتين ..

سحر أن تسير وسط طوفان البشر، وتتلفت حولك فترى في الأعين قوة وإصرارا تزيد من عزمك .. فتتبادل إبتسامات توحي بالثقة مع أناس لم ترهم من قبل في حياتك .. وربما لن تراهم مرة أخرى .. ولكن ما يجمعكم الآن هو هدف أسمى وأرقى من علاقات إنسانية عابرة .. ما يجمعكم هو خروجكم سويا لرفض الظلم ..

سحر أن تقف وسط أكبر ساحات القاهرة .. ميدان التحرير .. فبالكاد تجد لنفسك مكانا لتقف من كثرة الناس والزحام .. والغريب أنه كلما زاد الزحام حولك، وكلما ضاقت المساحة التي تقف فيها .. كلما زاد شعورك بالألفة .. وكلما ازداد حلمك رحابة وطاول السماء وأنت ترى الملايين حولك وتستشعر أن كل هؤلاء يريدون نفس ما تريد ويسعون إليه بكل ما أوتو من قوة ..

سحر أن تقرأ الآيات التي تتحدث عن الجهاد والثبات في وجه الظلم وعن أجر الشهداء، والآيات التي تبشر المؤمنين بقرب نصر الله وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فتحس أنها تخاطبك أنت شخصيا .. وتخبرك أن فرعون رغم أنه "استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون" إلا أنه "وما كيد فرعون إلا في تباب" حتى أنه "فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم" .. تحس أنها تخاطبك وتخاطب كل من خرج ليثور على فرعون فتشد من أزركم وتخبركم أنه بإذن الله سيجعلكم الله سببا في تطبيق سنته الأزلية في الكون "ليحق الحق ويبطل الباطل"

سحر أن ترى الأخلاقيات الجميلة الراقية .. الرجولة والأمانة والقوة في الحق والتعاون، تعود مرة أخرى وتظهر من جديد في كل من حولك .. فالجيران والأهل مقسمون بين أناس يقفون في الشارع لحمايته .. وأناس في الميدان وكلهم إصرار على تحقيق الهدف .. وفي الميدان أطباء تعالج، وشباب ينظف .. وعصائر وتمور توزع عليك طوال الوقت .. صورة في قمة الرقي والتحضر ..

سحر أن تحس بالثقة أكثر أنك مع جانب الحق حين ترى الباطل وقد كشر عن أنيابه وأظهر رغما عنه وجهه القبيح الذي طالما حاول اخفاءه عن العالم .. حتى أنه لم يعد هناك من ينكر حقيقة قبحه إلا أعمى أو كذاب .. فتحمد الله أن لم يجعلك مع الجانب الآخر .. وتقاتل بكل قوتك لتهزم هذا القبح والشر الذي جن جنونه حين أحس أنه شارف على الرحيل ..

سحر أن ترى أخبار بلادك في القنوات العالمية فتحس بالفخر أنك من هؤلاء .. هذا الشعب القوي الذي انتفض أخيرا بعد طول صبر .. الشعب الذي خطف الأضواء فوقف العالم كله له احتراما وأصبح يتابع أخباره أولا بأول .. آخرون يرون في هذا فضحا لنا أو تدخلا في شؤوننا .. ولكنني أراه شيئا مشرفا .. أن يرى العالم كيف نثور في رقي لنطالب بحريتنا وحقنا في الحياة .. وكيف نصطف ونحن بالملايين في لحظات لنصلي سويا جنبا إلى جنب ونستعين ببارئنا لينصرنا ويرفع عنا الظلم .. وكيف تتلاشى كل الفروق من بيننا فلا تعرف الغني من الفقير، المسلم من المسيحي .. وكيف نحافظ على نظافة المكان الذي أصبح رمزا للثورة .. وكيف يثور المصريون في كل مكان في العالم تأييدا لإخوانهم في مصر ..

ثورة ساحرة .. بعثت أخيرا الحياة في الجسد الضخم النائم منذ عقود .. فلم يعد من الممكن إعادته للسبات بعد أن ذاق هذا السحر .. وذاق طعم الأمل في حياة كريمة وحرة بعد أن حرم منها لزمن طويل ..


__________________________________________
* كتبتها يوم الأربعاء 9-فبراير وإن شاء الله قريبا أكتب عن ما بعد تحقق الهدف

06 فبراير, 2011

دعاء .. "وما النصر إلا صبر ساعة"

اللهم ياربنا ياذا الجلال والاكرام .. ياحنان يا منان، يا بديع السماوات والأرض يا عدل .. ياعدل .. ياعدل ..

اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد ياربنا أبدا أبدا ..

لك الحمد أن بعثت فينا الحياة بعد طول ممات وغفلة .. ولك الحمد أن جعلتنا من أهل الحق وإن كانوا مظلومين .. ولم تجعلنا من أهل الباطل وإن كانوا أقوياء جبارين ..

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد .. خير من دعى إليك وجاهد في سبيلك، وصبر على تكذيب وخذلان قومه .. اللهم أقرئه منا السلام، وبلغه أننا على دربه ودرب صحابته سائرون ..

اللهم إنا نسألك بأنك أرحم الراحمين .. وبأنك لا ترضى الظلم على عبادك المؤمنين و أنك أرحم بنا من أمهاتنا الائي ولدننا..

ونسألك بأنك أنت مالك الملك .. تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير .. إنك على كل شيء قدير ..

اللهم إننا ضعفاء فقونا .. حفاة فاحملنا .. عراة فاكسنا .. ضالون فاهدنا ..

اللهم إن الأرض قد ضاقت علينا بما رحبت .. وليس لنا ملجأ إلا أنت .. اللهم كن لنا ولا تكن علينا .. وأمكر لنا ولا تمكر بنا ..

اللهم ارزقنا الصبر والثبات ..

اللهم إن كثيرون قد خذلونا وتركونا وحدنا أمام الطاغية .. ونحن ضعفاء .. ليس لنا رب سواك فندعو

انقطع الرجاء إلا منك .. اللهم أمدنا بقوة من عندك، وثبات على الحق من عندك ..

اللهم إننا نسألك نصرا مؤزرا .. تعزنا به .. اللهم إن من ملكته علينا ظلمنا وبغى علينا وأذلنا .. ولم يرقب في مؤمن منا إلا ولا ذمة .. وأذاقنا العذاب سنين طويلة ..

اللهم إن ذلك كله لا يخفى عليك .. وأنت مالك الملك .. نسألك أن تنتقم لنا منه ، وأن ترفع الذل عنا بأيدينا لا بأيدي أعداءنا الذين يتربصون بنا ..

اللهم نصرك الذي وعدت .. اللهم نصرك الذي وعدت .. اللهم نصرك الذي وعدت ..

اللهم ارفع عنا الظلم عاجلا لا آجلا يارب العالمين ..

اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس .. أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا .. إلى من تكلنا ..

إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي .. إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي .. إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي ..

اللهم ولي علينا خيارنا .. اللهم ولي علينا من يخافك فينا .. ولا يظلمنا يا الله ..

اللهم ما أخرجنا من بيوتنا إلا أنك أمرتنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم، وأنت أعلم بنوايانا .. اللهم إفتح لنا فتحا مبينا ..

اللهم إنك قلت أنك لا تجمع على عبد لك خوفين ولا أمنين .. ونحن يارب خائفون .. اللهم فآمنا يوم الفزع الأكبر .. يوم يخاف الناس ..

اللهم احفظنا واخواننا من بطشه، ولا تجعل له ولا لأعوانه علينا سبيلا .. اللهم إننا عبادك فلا تجعل لهم علينا سبيلا

..

اللهم احفظنا وأهلنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بعظمتك أن نغتال نت تحتنا ..

اللهم تقبل شهداءنا وصبر أهلهم .. واشف جرحانا .. واهد قومنا وبصرهم بالحق يا رب العالمين

اللهم وحد صفوفنا .. وألف بين قلوبنا .. وقونا في الحق يا رب العالمين ..

آمين .. آمين .. آمين

24 يناير, 2011

حنين

تقضي يومها في ترقب .. فغدا ميعاد السفر، وكالعادة، مرت الأجازة الصيفية هذا العام سريعا .. وغدا سيعودون إلى حيث يعمل أبويها، وإلى حيث توجد مدرستها هي وأختها وأخيها ..

اعتادوا أن يقضوا شهور الاجازة الصيفية سنويا في مصر، بين أهلها وجيرانها، الذين تشتاق إليهم كثيرا ..

هي لا تكره السفر، فلها هناك أيضا أصدقاء وحياة جميلة، ولكنها تحب الحياة في وطنها، وسرعان ما تعتادها وتألفها في شهور الصيف القليلة .. قبل أن تفارقها مرة أخرى ..

تحب اجتماع العائلة، واللعب مع أقاربها، وتحب شارعها وجيرانها .. تحب ذكرياتها هنا، كما تشتاق أيضا لحياتها هناك .. وكلما أتت إلى هنا، سافرت ومعها الكثير والكثير من الذكريات والصور التي تظل معها إلى أن تعود في الصيف التالي ..

تجلس في غرفتها بعد العصر، في أشعة الضوء المتسللة من بين ضلفتي الشيش الموارب لترسم مساحة مضيئة على أرضية الغرفة .. وترى الذرات الذهبية التي تسبح في هدوء في هذه الأشعة .. وتتذكر كيف كانت هذه الغرفة الهادئة المرتبة، والتي تغطي الأغطية السميكة أثاثها لتحافظ عليه في مغيبهم، مفعمة بالحياة والصخب .. هنا كانت تجلس مع أختها وابنة خالها لساعات يطعمون عرائسهن ويمشطون لهن شعورهن، ويتظاهرن أنهن أمهات ناضجات .. وفي هذه الغرفة كانوا يطفئون الأنوار ويختبئن في الظلام ويكتمن أنفاسهن، ثم تبحن عنهن احداهن، ويكتمن الضحكات وهن يسمعنها تتعثر وتقوم .. إلى أن تمسك بواحدة منهن ليكون دورها في البحث ..

تتذكر لعبها اليومي مع أطفال الجيران .. المنديل، وكهربا .. والسباق بالدراجات حول بيوتهم ..

وتتذكر بدايات تعلمها ركوب الدراجة، دراجة أخيها الصفراء الصغيرة التي كانت تتعلم عليها .. في البداية كانت تستخدم السنادات من الجانبين، ثم أزالت واحدة وأبقت الأخرى لتعود نفسها على الاستغناء عنهم تماما .. وبعد محاولات عديدة، ومرات كثيرة من السقوط .. ومساعدات والديها في الإمساك بها أثناء محاولاتها، استطاعت أخيرا أن تسير بالدراجة وحدها ..


تتذكر الأيام التي كانت تقضيها عند عمتها، ولعبها مع أبناء وبنات عمها .. وسفرها معهم إلى الاسكندرية أو مرسى مطروح لقضاء الوقت بين نزول البحر والتمشية وركوب الدراجات ..

تتذكر الياسمينة التي زرعتها جدتها في حديقة منزلهم، والتي صعدت حتى وصلت إلى شرفة منزلهم في الدور الثالث .. وشجرة الجوافة التي زرعها جدها –رحمه الله- في الحديقة، والتي كانت تقوم هي وأخوتها وأولاد خالها بقطف ثمارها سويا وتناولها ..

ذكريات .. ذكريات .. ذكريات .. كلها ستضاف إلى ذكريات أخرى تحملها عن وطنها لتؤنسها في غربتها .. إلى أن تعود في الصيف المقبل .. لتحيا تلك الحياة التي تحبها من جديد ..

غدا ستسافر مئات الأميال إلى حيث حياتها ومدرستها وأصدقائها وهي تحمل معها كنزا من الذكريات والحكايات الجميلة .. وهي لا تدري أن بعد عدة سنين، ستصبح حياتها في تلك المدينة البعيدة مجرد ذكريات تحن إليها هي الأخرى وتتمنى زيارتها ..