الاثنين، 5 فبراير 2018

بعيدا عن الضجيج ..


صافرات الإنذار تتعالى ليلا، منذرة بقدوم غارة جوية على احدى ضواحي برلين ..
يخرج المدنيون من بيوتهم متجهين إلى قبو مخصص للإحتماء من الغارات الجوية ..
يجلسون متجاورين في وجوم تصم آذانهم أصوات القصف المرعبة ..

**********

سنوات عديدة مرت منذ أن بدأت في التدوين، منذ أن بدأت في الكتابة عن أفكاري وحكاياتي الشخصية، وعن حكايات تتناول ببساطة أمورا من الشأن العام .. سنوات وأحداث عديدة، كفيلة بتغيير الكثير بداخلي، تغيير يجعلني أتعجب كلما قرأت بعضا مما كتبته تلك الفتاة المتفائلة التي كنتها قبل سنوات ..

حقيقةً، ينجح الفيس بوك في كل يوم في رسم إبتسامة واسعة على وجهي حينما يريني ما كتبته وما شعرت به في ذات اليوم منذ سنوات .. أجد بين سطور كتاباتي -التي مر عليها ما يقارب العشر سنوات- فتاة صغيرة حالمة، ترى الأمور ببساطة، وترى المستقبل برومانسية حالمة، وتشغل نفسها بكل صغيرة وكبيرة تحدث في بلدها أو في خارجه، وتناقش في جرأة كل شيء وأي شيء، وتظن أن ما تكتب أو تشارك على مدونتها أو على صفحتها الشخصية قد يصنع فارقا في هذا العالم ..

واليوم تغيرت تلك الفتاة .. أصبحت، وبعد محاولات عدة بذلتها، لا تعير الشأن العام إلا جزءا محسوبا من إهتمامها، تحاول الحفاظ على ما بقي لها من سلامها النفسي .. تتابع بالقدر الذي تستطيع معه ممارسة حياتها بشكل طبيعي، لا يعنيها في وسط كل تلك الصراعات وذلك الجنون سوى الإنسان، الذي كتب عليه أن يدفع الثمن لكل ذلك، وأن يتعرض للظلم والقهر على طول الخط .. تحاول الكتابة عن أفكارها وذكرياتها وحكايتها بعيدا عن كل مايحدث ..

إلا أنها، وفي كل مرة تمسك بقلمها لتخط تلك الأفكار التي تملأ رأسها ضجيجا ..تتساءل، هل نملك ترف الكتابة عن أفكارنا وأحلامنا وفلسفتنا في الحياة وسط هذا الجنون الذي نعيشه في كل يوم ..

**********

عشرات المدنيين يجلسون متجاورين في ذلك القبو الكئيب، يشملهم الصمت والوجوم، يزيد من تلف أعصابهم أصوات بكاء أطفالهم المرتعبين ..
إلى أن تقرر تلك الفتاة الصغيرة الذكية أن تبدأ في الكلام لتقطع ذلك الصمت ..

**********

إنه الإختيار المؤلم الذي اضطررت إليه، واضطر إليه مثلي كثيرون من أبناء جيلي .. تجاهل الشأن العام، وتجنب الحديث عن تفاصيله العبثية .. لم نضطر إليه خوفا أو تخاذلا، وإنما توفيرا لوقتنا ومجهودنا الذهني وسلامنا النفسي بدلا من الخوض فيما لا طائل من ورائه ..
إنه الهرب الدائم من الأحداث المؤلمة التي تلاحقنا تفاصيلها في كل وقت لتذكرنا بعجزنا أمامها ..

ربما لو كنت أعيش في بلاد بعيدة عن تلك البقعة الموبوءة من العالم، كنت سأتحدث بأريحية عن الورود والفراشات والأطفال .. كنت سأتحدث عن كيفية اقتناص اللحظات السعيدة، وكيفية التأمل في اللاشيء، بينما نشرب كوبا من عصيرنا المفضل .. 
ولكن قدري أن أعيش في هذه البقعة من العالم، في هذا الزمن بالذات، لأعايش كل تلك الأحداث، وتطاردني كل تلك الأخبار، وكأن كل القوى اتحدت لتسلبني سلامي النفسي، ولتجعل كل نشاط إنساني طبيعي أمارسه مدعاة للشعور بالذنب.

**********

يبدأون واحدا تلو الآخر في الإلتفات إليها ..ويبدأ صوت بكاء الأطفال في الخفوت تدريجيا وهم يستمعون إلى صوتها الهادئ العميق ..
يطلبون منها أن ترفع صوتها ليتبينوا كلماتها ..
ترفع صوتها .. وتكمل كلماتها .. حكاية من تأليفها، تحكيها لهم فيندمج معها كبيرهم وصغيرهم .. يبتسمون، ويقطبون ويترقبون، وكأن شيئا لا يحدث بالخارج .. يطغى صوتها الهادي الجميل على أصوات القصف والإنفاجارات المخيفة بالخارج رغم شدتها .. تمر عليهم تلك الدقائق الثقيلة سريعة ومسلية على غير العادة ..

**********

ثم كان ذلك المشهد الملهم من فيلم the book thief 
ذلك المشهد ألهمني أن أستمر، وزادني ثقة بما أبرع في فعله .. لا تطلبوا مني أن أناقش أياً من الأحداث الدائرة .. اتركوني أكتب عن عالم آخر مواز، عالم أقل ضجيجا، عالم لاقتل فيه ولا دماء، لا ظلم ولا تقييد للحريات ..
استمعوا إلى حكاياتي وتجاهلوا ذلك الضجيج المؤلم الذي يصم الآذان بالخارج .. استمعوا، واضحكوا وابكوا، وانفصلوا عن الواقع قليلا .. فالواقع أقسى وأعنف من أن نواجهه، وأقذر وأحط من أن نتعايش معه ونتقبله .. إذن فتلك الفقاعة هي الحل .. ذلك القبو الذي ننزل إليه بانتظام كلما أردنا أن نرتاح قليلا من ذلك الضجيج الذي يصم الآذان بالخارج، وتلك التفاصيل المؤلمة التي لا تنتهي ..

 وأنتم، لا تدعو أرواحكم تذبل مع تفاصيل ذلك العالم الكئيب، لا تنهكوا أرواحكم بمتابعة كل صغيرة وكبيرة، لا ترهقوا أذهانكم في التفكير والتساؤل كيف ينهي هذا الجنون، فمن الواضح أنه لن ينتهي قريبا، بل ربما تنتهي سني عمرنا في هذه الدنيا قبل أن ينتهي .. تجاهلوه لبعض الوقت، واصنعوا لأنفسكم واقعا آخر مواز، ولا تسمحوا لأحد أن يدفعكم للشعور بالذنب حيال ذلك، تحدثوا عن الثقافة والفن والأفلام .. تشاركوا النكات والحكايات واضحكوا ملء أفواهكم، لا تخجلوا من شغفكم بالحياة، مهما كانت ظروفكم ومهما بلغت آلامكم .

إنها ليست دعوة لليأس، بل دعوة لإنقاذ أنفسنا وأرواحنا المثقلة بالألم .. فإنسان بروح منهكة وقلب مثقل بالهموم لن يستطيع أن يحقق أحلاما، أو يربي أطفالا، أو يمارس حياته بشكل طبيعي.

القليل من التفاصيل لا تضر، ولكن الإغراق في التفاصيل، والمتابعة الدائمة حتما تضر وتقتل بداخلنا الرغبة في الإستمرار والحياة ..



هناك تعليقان (2):

Unknown يقول...

والله كلام جميل

غير معرف يقول...

رب كلمة لا تصنع فارقا كبيرا لكنها تركت أثرا طيبا..
ورب جهد ضئيل بنية عظيمة يبارك الله فيه فيكون نواة لنصر عظيم وخير عميم..
وما برحت تلك الفتاة الصغيرة الحالمة هي ماضيَ كل أديبة رائعة وربما جزءا من خيال حاضرها وحبر ريشتها..
ربما لم يروِ ريشة رضوى حبرا أكثر من أحداث وأيام عاشتها طفلة وشابة وعاشها وطنها الصغير والكبير؛ فتأثرت وأثرت، وتركت ما ربما يمتد أثره لجيل بعد جيل من جيل تميم..